فصل: تفسير الآية رقم (59)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏59‏]‏

‏{‏وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏59‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذَا بَلَغَ الاطفال مِنكُمُ الحلم‏}‏ لما بين سبحانه آنفاً حكم الأطفال من أنهم لا يحتاجون إلى الاستئذان في غير الأوقات الثلاثة عقب جل وعلا ببيان حالهم إذا بلغوا دفعاً لما عسى أن يتوهم أنهم وإن كانوا أجانب ليسوا كسائر الأجانب بسبب اعتيادهم الدخول فاللام في ‏{‏الأصفال‏}‏ للعهد إشارة إلى ‏{‏الذين لم يبلغوا الحلم‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 58‏]‏ المجعولين قسماً للمماليك أي إذا بلغ الأطفال الأحرار الأجانب ‏{‏الحلم فَلْيَسْتَأْذِنُواْ‏}‏ إذا أرادوا الدخول عليكم ‏{‏كَمَا استأذن الذين مِن قَبْلِهِمْ‏}‏ أي الذين ذكروا من قبلهم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَرِيمٌ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ على أَهْلِهَا‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 72‏]‏ وجوز أن تكون القبلية باعتبار الوصف لا باعتبار الذكر في «النظم الجليل» بقرينة ذكر البلوغ وحكم الطفولية أي الذين بلغوا من قبلهم‏.‏ وأخرج هذا ابن أبي حاتم عن مقاتل وزعم بعضهم أنه أظهر‏.‏

وتعقب بأن المراد بالتشبيه بيان كيفية استئذان هؤلاء وزيادة إيضاحه ولا يتسنى ذلك إلا بتشبيهه باستئذان المعهودين عند السامع، ولا ريب في أن بلوغهم قبل بلوغ هؤلاء مما لا يخطر ببال أحد وإن كان الأمر كذلك في الواقع وإنما المعهود المعروف ذكرهم قبل ذكرهم، فالمعنى فليستأذنوا استئذاناً كائناً مثل استئذان المذكورين قبلهم بأن يستأذنوا في جميع الأوقات ويرجعوا إن قيل لهم ارجعوا حسبما فصل فيما سلف، وكون المراد بالأطفال الأطفال الأحرار الأجانب قد ذهب إليه غير واحد، وقال بعض الأجلة‏:‏ المراد بهم ما يعم الأحرار والمماليك فيجب الاستئذان على من بلغ من الفريقين وأوجب هذا استئذان العبد البالغ على سيدته لهذه الآية، وقال في «البحر» ‏{‏مّنكُمْ‏}‏ أي من أولادكم وأقربائكم‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم نحو هذا التفسير عن سعيد بن جبير‏.‏ وأخرج عن سعيد بن المسيب أنه قال‏:‏ يستأذن الرجل على أمه فإنما نزلت‏:‏ ‏{‏وَإِذَا بَلَغَ الاطفال مِنكُمُ الحلم‏}‏ في ذلك‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور‏.‏ والبخاري في الأدب‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم‏.‏ وابن مردويه عن عطاء أنه سأل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أأستأذن على أختي‏؟‏ قال‏:‏ نعم قلت‏:‏ إنها في حجري وأنا أنفق عليها وإنها معي في البيت أأستأذن عليها‏؟‏ قال‏:‏ نعم إن الله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 58‏]‏ الآية فلم يأمر هؤلاء بالاستئذان إلا في العورات الثلاث وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا بَلَغَ الاطفال مِنكُمُ الحلم فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا استأذن الذين مِن قَبْلِهِمْ‏}‏ فالإذن واجب على خلق الله تعالى أجمعين، وروي عنه رضي الله تعالى عنه أنهق ال‏:‏ آية لا يؤمن بها أكثر الناس آية الإذن وإني لآمر جارتي يعني زوجته أن تستأذن علي، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عليكم أن تستأذنوا على آبائكم وأمهاتكم وأخواتكم، ونقل عن بعضهم أن وجوب الاستئذان المستفاد من الأمر الدال عليه في الآية منسوخ وأنكر ذلك سعيد بن جبير روى عنه يقولون‏:‏ هي منسوخة لا والله ما هي منسوخة ولكن الناس تهاونوا بها، وعن الشعبي ليست منسوخة فقيل له‏:‏ إن الناس لا يعملون بها فقال‏:‏ الله تعالى المستعان، وقيل‏:‏ ذلك مخصوص بعدم الرضا وعدم باب يغلق كما كان في العصر الأول ‏{‏كذلك يُبَيّنُ الله لَكُمْ ءاياته والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏}‏ الكلام فيه كالذي سبق، والتكرير للتأكيد والمبالغة في طلب الاستئذان، وإضافة الآيات إلى ضمير الجلالة لتشريفها وهو مما يوقي أمر التأكيد والمبالغة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏60‏]‏

‏{‏وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏60‏)‏‏}‏

‏{‏والقواعد مِنَ النساء‏}‏ أي العجائز وهو جمع قاعد كحائض وطامث فلا يؤنث لاختصاصه ولذا جمع على فواعل لأن التاء فيه كالمذكورة أو هو شاذ، قال ابن السكيت‏:‏ امرأة قاعد قعدت عن الحيض، وقال ابن قتيبة‏:‏ سميت العجائز قواعد لأنهن يكثرن القعود لكبر سنهن، وقال ابن ربيعة‏:‏ لقعودهن عن الاستمتاع حيث أيسن ولم يبق لهن طمع في الأزواج فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏اللاتى لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً‏}‏ أي لا يطمعن فيه لكبرهن صفة كاشفة ‏{‏فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ‏}‏ أي الثياب الظاهرة التي لا يفضي وضعها لكشف العورة كالجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار‏.‏

وأخرج ابن المنذر عن ميمون بن مهران أنه قال‏:‏ في مصحف أبي بن كعب‏.‏ ومصحف ابن مسعود ‏{‏فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ جلابيبهن‏}‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود‏.‏ وابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهما كانا يقرآن كذلك، ولعله لذلك اقتصر بعض في تفسير الثياب على الجلباب، والجملة خبر ‏{‏القواعد‏}‏ والفاء إما لأن اللام في القواعد موصولة بمعنى اللاتي وإما لأنها موصوفة بالموصول‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏غَيْرَ متبرجات بِزِينَةٍ‏}‏ حال، وأصل التبرج التكلف في إظهار ما يخفى من قولهم‏:‏ سفينة بارج لا غطاء عليها، والبرج سعة العين بحيث يرى بياضها محيطاً بسوادها كله لا يغيب منه شيء، وقيل‏:‏ أصله الظهور من البرج أي القصر ثم خص بأن تتكشف المرأة للرجال بإبداء زينتها وإظهار محاسنها، وليست الزينة مأخوذة في مفهومه حتى يقال‏:‏ إن ذكر الزينة من باب التجريد، والظاهر أن الباء للتعدية، وقيل‏:‏ زائدة في المفعول لأنهم يفسرون التبرج بمتعد، ففي «القاموس» تبرجت أظهرتا زينتها للرجال وفيه نظر، والمراد بالزينة الزينة الخفية لسبق العلم باختصاص الحكم بها ولما في لفظ التبرج من الإشعار، والتنكير لإفادة الشياع وأن زينة ما وإن دقت داخلة في الحكم أي غير مظهرات زينة مما أمر بإخفائه في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ‏.‏‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 31‏]‏ ‏{‏وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ‏}‏ بترك الوضع والتستر كالشواب ‏{‏خَيْرٌ لَّهُنَّ‏}‏ من الوضع لبعده من التهمة فلكل ساقطة لاقطة، وذكر ابن المنير للآية معنى استحسنه الطيبي فقال‏:‏ يظهر لي والله تعالى أعلم أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏غَيْرَ متبرجات بِزِينَةٍ‏}‏ من باب‏.‏ على لا حب لا يهتدي بمناره *** أي لا منار فيه فيهتدي به وكذلك المراد والقواعد من النساء لا زينة لهن فيتبرجن بها لأن الكلام فيمن هن بهذه المثابة، وكأنه الغرض من ذلك أن هؤلاء استعفافهن عن وضع الثياب خير لهن فما ظنك بذوات الزينة من الشواب، وأبلغ ما في ذلك أنه جعل عدم وضع الثياب في حق القواعد من الاستعفاف إيذاناً بأن وضع الثياب لا مدخل له في العفة هذا في القواعد فكيف بالكواعب ‏{‏والله سَمِيعٌ‏}‏ مبالغ في سمع جميع ما يسمع فيسمع بما يجري بنهن وبين الرجال من المقاولة ‏{‏عَلِيمٌ‏}‏ فيعلم سبحانه مقاصدهن‏.‏ وفيه من الترهيب ما لا يخفى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏61‏]‏

‏{‏لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ‏(‏61‏)‏‏}‏

‏{‏لَّيْسَ عَلَى الاعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الاعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ‏}‏ في كتاب الزهراوي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هؤلاء الطوائف كانوا يتحرجون من مؤاكلة الأصحاء حذاراً من استقذارهم إياهم وخوفاً من تأذيهم بأفعالهم وأوضاعهم فنزلت‏.‏ وقيل‏:‏ كانوا يدخلون على الرجال لطلب الطعام فإذا لم يكن عنده ما يطعمهم ذهب بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم أو إلى بعض من سماهم الله تعالى في الآية الكريمة فكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون‏:‏ ذهب بنا إلى بيت غيره ولعل أهله كارهون لذلك‏.‏ وكذا كانوا يتحرجون من الأكل من أموال الذين كانوا إذا خرجوا إلى الغزو وخلفوا هؤلاء الضعفاء في بيوتهم ودفعوا إليهم مفاتيحها وأذنوا لهم أن يأكلوا مما فيها مخافة أن لا يكون إذنهم عن طيب نفس منهم‏.‏

وكان غير هؤلاء أيضاً يتحرجون من الأكل في بيوت غيرم، فعن عكرمة كانت الأنصار في أنفسها قزازة لا تأكل من البيوت الذي ذكر الله تعالى، وقال السدي‏:‏ كان الرجل يدخل بيت أبيه أو بيت أخيه أو أخته فتتحفه المرأة بشيء من الطعام فيتحرج لأجل أنه ليس ثم رب البيت، والحرج لغة كما قال الزجاج الضيق من الحرجة وهو الشجر الملتف بعضه ببعض لضيق المسالك فيه، وقال الراغب‏:‏ هو في الأصل مجتمع الشيء ثم أطلق على الضيق وعلى الإثم، والمعنى على الرواية الأولى ليس على هؤلاء حرج في أكلهم مع الأصحاء، ويقدر على سائر الروايات ما يناسب ذلك مما لا يخفى، و‏{‏على‏}‏ معناها في جميع ذلك، وروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه لما نزل ‏{‏وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم بالباطل‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 29‏]‏ تحرج المسلمون عن مؤاكلة الأعمى لأنه لا يبصر موضع الطعام الطيب والأعرج لأنه لا يستطيع المزاحمة على الطعام والمريض لأنه لا يستطيع استيفاء الطعام فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقيل‏:‏ كانت العرب ومن بالمدينة قبل البعث تجتنب الأكل مع أهل هذه الأعذار لمكان جولان يد الأعمى وانبساط جلسة الأعرج وعدم خلو المريض من رائحة تؤذى أو جرح ينض أو أنف يذن فنزلت‏.‏ ومن ذهب إلى هذا جعل ‏{‏على‏}‏ بمعنى في أي ليس في مؤاكلة الأعمى حرج وهكذا وإلا لكان حق التركيب ليس عليكم أن تأكلوا مع الأعمى حرج وكذا يقال فيما بعد وفيه بعد لا يخفى، وقيل‏:‏ لا حاجة إلى أن يقدر محذوف بعد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حَرَجٌ‏}‏ حسبما أشير إليه إليه إذ المعنى ليس على الطوائف المعدودة ‏{‏وَلاَ على أَنفُسِكُمْ‏}‏ حرج ‏{‏أَن تَأْكُلُواْ‏}‏ أنتم وهم معكم ‏{‏مِن بُيُوتِكُمْ‏}‏ الخ، وإلى كون المعنى كذلك ذهب مولانا شيخ الإسلام ثم قال‏:‏ وتعميم الخطاب للطوائف المذكورة أيضاً يأباه ما قبله وما بعده فإن الخطاب فيهما لغير أولئك الطوائف حتماً ولعل ما تقدم أولى، وأما تعميم الخطاب فلا أقول به أصلاً؛ وعن ابن زيد‏.‏

والحسن‏.‏ وذهب إليه الجبائي وقال أبو حيان‏:‏ هو القول الظاهر أن الحرج المنفي عن أهل العذر هو الحرج في القعود عن الجهاد وغيره مما رخص لهم فيه والحرج المنفي عمن بعدهم الحرج في الأكل من البيوت المذكورة، قال «صاحب الكشاف»‏:‏ والكلام عليه صحيح لالتقاء الطائفتين في أن كلاً منفي عنه الحرج، ومثاله أن يستفتي مسافر عن الإفطار في رمضان وحاج مفرد عن تقديم الحلق على النحر فتقول‏:‏ ليس على المسافر حرج أن يفطر ولا عليك يا حاج أن تقدم الحلق على النحر وهو تحقيق لأمر العطف وذلك أنه لما كان فيه غرابة لبعد الجامع بادىء النظر أزاله بأن الغرض لما كان بيان الحكم كفاء الحوادث والحادثتان وإن تباينتا كل التباين إذا تقارنتا في الوقوقع والاحتياج إلى الباين قرب الجامع بينهما ولا كذلك إذا كان الكلام في غير معرض الافتاء والبيان، وليس هذا القول منه بناء على أن الاكتفاء في تصور ما كانف في الجامعية كما ظن، وبهذا يظهر الجواب عما اعترض به على هذه الرواية من أن الكلام عليها لا يلائم ما قبله ولاما بعده لأن ملاءمته لما بعده قد عرفت وجهها، وأما ملاءمته لما قبله فغير لازمة إذ لم يعطف عليه، وربما يقال في وجه ذكر نفي الحرج عن أهل العذر بترك الجهاد ومايشبهه مما رخص لهم فيه أثناء بيان الاستئذان ونحوه‏:‏ إن نفي الحرج عنهم بذلك مستلزم عدم وجوب الاستئذان منه صلى الله عليه وسلم لترك ذلك فلهم القعود عن الجهاد ونحوه من غير استئنذان ولا إذن كما أن للمماليك والصبيان الدخول في البيوت في غير العورات الثلاث من غير استئذان ولا إذن من أهل البيت، ومثل هذا يكفي وجهاً في توسيط جملة أثناء جمل ظاهرة التناسب، ويرد عليه شيء عسى أن يدفع بالتأمل، وإنما لم يذكر الحرج في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ على أَنفُسِكُمْ‏}‏ بأن يقال‏:‏ ولا على أنفسكم حرج اكتفاء بذكره فيما مر والأواخر محل الحذف، ولم يكتف بحرج واحد بأن يقال‏:‏ ليس على الأعمى والأعرج والمريض وأنفسكم حرج أن تأكلوا دفعاً لتوهم خلاف المراد، وقيل‏:‏ حذف الحرج آخراً للإشارة إلى مغايرته للمذكور ولا تقدح في دلالته عليه لا سيما إذا قلنا‏:‏ إن الدال غير منحصر فيه وهو كما ترى، ومعنى ‏{‏على أَنفُسِكُمْ‏}‏ كما في «الكشاف» عليكم وعلى من في مثل حالكم من المؤمنين، وفيه كما في «الكشف» إشارة إلى فائدة إقحام النفس وأن الحاصل ليس على الضعفاء المطعمين ولا على الذاهبين إلى بيوت القرابات ومن مثل حالهم وهم الأصدقاء حرج‏.‏

وقيل‏:‏ إن فائدة إقحامها الإشارة إلى أن الأكل المذكور مع أنه لا حرج فيه لا يخل بقدر من له شأن وهو وجه حسن دقيق لا يلزمه استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ظاهراً، وكان منشأه كثرة إقحام النفس في ذوي الشأن، ومن ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 54‏]‏ ولم يقل سبحانه كتب ربكم عليه الرحمة، وقوله عز وجل في الحديث القدسي‏:‏ «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي» دون أن يقول جل وعلا‏:‏ إني حرمت الظلم على إلى غير ذلك مما يعرفه المتتبع المنصف، وما قيل من أنّ فائدة الإقحام الإشارة إلى أن التجنب عن الأكل المذكور لا يخلو عن رعاية حظ النفس مع خفائه لا يلائم إلا بعض الروايات السابقة في سبب النزول، ونحو ما قيل من أنها أقحمت للإشارة إلى أن نفي الحرج عن المخاطبين في الأكل من البيوت المذكورة لذواتهم بخلاف نفي الحرج عن أهل الأعذار في الأكل منها فإنه لكونهم مع المخاطبين وذهابهم بهم إليها، والتعرض لنفي الحرج عنهم في أكلهم من بيوتهم مع ظهور انتفاء ذلك لإظهار التسوية بينه وبين قرنائه كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تُكَلّمُ الناس فِى المهد وَكَهْلاً‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 46‏]‏ لكن ذلك فيما نحن فيه من أول الأمر، ولم يتعرض لبيوت أولادهم لظهور أنها كبيوتهم، وذكر جمع أنها داخلة في بيوت المخاطبني، فقد روى أبو داود‏.‏ وابن ماجه «أنت ومالك لأبيك» وفي حديث رواه الشيخان‏.‏ وغيرهما‏:‏ ‏"‏ إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه ‏"‏ وقال بعضهم‏:‏ المراد ببيوت المخاطبين بيوت أولادهم وأضافها إليه لمزيد اختصاصها بهم كما يشهد به الشرع والعرف، وقيل‏:‏ المعنى أن تأكلوا من بيوتكم من مال أولادكم وأزواجكم الذين هم في بيوتكم ومن جملة عيالكم وهو كما ترى ‏{‏أَوْ بُيُوتِ ءابَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أمهاتكم‏}‏ وقرأ حمزة بكسر الهمزة والميم، والكسائي‏.‏ وطلحة بكسر الهمزة وفتح الميم ‏{‏أَوْ بُيُوتِ إخوانكم أَوْ بُيُوتِ أخواتكم أَوْ بُيُوتِ أعمامكم أَوْ بُيُوتِ عماتكم أَوْ بُيُوتِ أخوالكم أَوْ بُيُوتِ خالاتكم أَوْ‏}‏ أي أو مما تحت أيديكم وتصرفكم من بستان أو ماشية وكالة أو حفظاً وهو الذي يقتضيه كلام ابن عباس‏.‏ فقد روى عنه غير واحد أنه قال‏:‏ ذاك وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته فلا بأس عليه أن يأكل من ثمر حائطه ويشرب من لبن ماشيته ولا يحمل ولا يدخر‏.‏ وقال السدي‏:‏ هو الرجل يولي طعام غيره ويقوم عليه فلا بأس أن يأكل منه‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ هو الزمن يسلم إليه مفتاح البيت ويؤذن له بالتصرف فيه، وقيل‏:‏ ولي اليتيم الذي له التصرف بماله فإنه يباح له الأكل منه بالمعروف‏.‏

وملك المفتاح على جميع ذلك كناية عن كونه الشيء تحت يد الشخص وتصرفه‏.‏ والعطف على ما أشرنا إليه على ما بعد ‏{‏مِنْ‏}‏ وعن قتادة أن المراد بما ملكتم مفاتحه العبيد فالعطف على ما بعد ‏{‏بُيُوتِ‏}‏ والتقدير أو بيوت الذين ملكتم مفاتحهم‏.‏ وكان ملك المفتاح لما شاع كناية لم ينظر فيه إلى أن المتصرف مما يتوصل إليه بالمفتاح أولاً ومثله كثير، أو هو ترشيح لجري العبيد مجرى الجماد من الأموال المشعر به استعمال ما فيهم، ولا يخفى عليك بعد هذا القول وأنه يندرج بيوت العبيد في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بُيُوتِكُمْ‏}‏ لأن العبد لا ملك له، وإرادة المعتوقين منهم بقرينة ‏{‏مَلَكْتُم‏}‏ بلفظ الماضي مما لا ينبغي أن يلتفت إليه‏.‏ وقرأ ابن جبير ‏{‏مَلَكْتُم‏}‏ بضم الميم وكسر اللام مشددة ‏{‏ومفاتيحه‏}‏ بياء بعد التاء جمع مفتاح‏.‏ وقرأ قتادة‏.‏ وهرون عن أبي عمرو ‏{‏مفتاحه‏}‏ بالإفراد وهو آلة الفتح وكذا المفتح كما في القاموس، وقال الراغب‏:‏ المفتح والمفتاح ما يفتح به وجمعه مفاتيح ومفاتح‏.‏ وفي بعض الكتب أن جمع مفتح مفاتح وجمع مفتاح مفاتيح ‏{‏مَّفَاتِحهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ‏}‏ أي أو بيوت صديقكم وهو من يصدق في مودتكم وتصدق في مودته يقع على الواحد والجمع، والمراد به هنا الجمع، وقيل‏:‏ المفرد، وسر التعبير به دون أصدقائكم الإشارة إلى قلة الأصدقاء حتى قيل‏:‏ صاد الصديق وكاف الكيمياء معا *** لا يوجدان فدع عن نفسك الطمعا

ونقل عن هشام بن عبد الملك أنه قال‏:‏ نلت ما نلت حتى الخلافة وأعوزني صديق لا أحتشم منه، وقيل‏:‏ إنه إشارة إلى أن شأن الصداقة رفع الإثنينية‏.‏ ورفع الحرج في الأكل من بيت الصديق لأنه أرضى بالتبسط وأسر به من كثير من ذوي القرابة؛ روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الصديق أكبر من الوالدين إن الجهنميين لما استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والأمهات فقالوا‏:‏ ‏{‏فَمَا لَنَا مِن شافعين وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 100 101‏]‏‏.‏

وعن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه من عظم حرمة الصديق أن جعله الله تعالى من الأنس والثقة والانبساط ورفع الحشمة بمنزلة النفس والأب والأخ، وقيل لأفلاطون‏:‏ من أحب إليك أخوك أم صديقك‏؟‏ فقال‏:‏ لا أحب أخي إلا إذا كان صديقي، وقد كان السلف ينبسطون بأكل أصدقائهم من بيوتهم ولو كانوا غيباً‏.‏

يحكى عن الحسن أنه دخل داره وإذا حلقة من أصدقائه وقد استلوا سلالاً من تحت سريره فيها الخبيص وأطايب الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون فتهللت أسارير وجهه سروراً وضحك وقال‏:‏ هكذا وجدناهم هذا وجدناهم يريد كبراء الصحابة ومن لقيهم من البدريين، وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائب فيسأل جاريته كيسه فيأخذ ما شاء فإذا حضر مولاها فأخبرته أعتقها سروراً بذلك، وهذا شيء قد كان

‏.‏ إذا الناس ناس والزمان زمان *** وأما اليوم فقد طوى فيما أعلم بساطه واضمحل والأمر لله تعالى فسطاطه وعفت آثاره وأفلت أقماره وصار الصديق اسماً للعدو الذي يخفى عداوته وينتظر لك حرب الزمان وغاءته فآه ثم آه ولا حول ولا قوة إلا بالله‏.‏ ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى *** عدواً له ما من صداقته بد

ثم إن نفي الحرج في الأكل المذكور ومشروط بما إذا علم رضا صاحب المال بإذن صريح أو قرينة، ولا يرد أنه إذا وجد الرضا جاز الأكل من مال الأجنبي والعدو أيضاً فلا يكون للتخصيص وجه لأن تخصيص هؤلاء لاعتياد التبسط بنيهم فلا مفهوم له، وقال أبو موسلم‏:‏ هذا في الأقارب الكفرة أباح سبحانه في هذه الآية ما حضره في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الاخر يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 22‏]‏ وليس بشيء، وقيل‏:‏ كان ذلك في صدر الإسلام ثم نسخ بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفسه منه» وقوله عليه الصلاة والسلام من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما‏:‏ «لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه» وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 27‏]‏ الآية، وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبى إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ غَيْرَ ناظرين إناه‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 53‏]‏ فإنهم إذا منعوا من منزله صلى الله عليه وسلم إلا بالشرط المذكور هو عليه الصلاة والسلام أكرم الناس وأقلهم حجاباً فغيره صلى الله عليه وسلم يعلم بالطريق الأولى‏.‏

وأنت تعلم أنه لا حاجة إلى القول بالنسخ بناء على ما قلنا أولاً، واحتج بالآية بعض أئمة الحنفية على أنه لا قطع بسرقة مال المحارم مطلقاً لا فرق في ذلك بين الوالدين والمولودين وبين غيرهم لأنها دلت على إباحة دخول دارهم بغير إذنهم فلا يكون مالهم محرزاً ومجرد احتمال إرادة الظاهر وعدم النسخ كاف في الشهبة المدرئة للحد، وبحث فيه بأن درء الحدود بالشبهات ليس على إطلاقه عندهم كما يعلم من أصولهم، وأورد عليه أيضاً أنه يستلزم أن لا تقطع يد من سرق من الصديق، وأجيب عن هذا بأن الصديق متى قصد سرقة مال صديقه انقلب عدواً، وتعقب بأن الشرع ناظر إلى الظاهر لا إلى السرائر، وقرىء ‏{‏صَدِيقِكُمْ‏}‏ بكسر الصاد اتباعاً لحركة الدال حكى ذلك حميد الخزاز ‏{‏لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ‏}‏ أي مجتمعين وهو نصب على الحال من فاعل ‏{‏لاَ تَأْكُلُواْ‏}‏ وهو في الأصل بمعنى كل ولا يفيد الاجتماع خلافاً للفراء، ودل عليه هنا لمقابلته بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوْ أَشْتَاتاً‏}‏ فإنه عطف عليه داخل في حكمه وهو جمع شت على أنه صفة كالحق يقال‏:‏ أمر شت أي متفرق أو على أنه في الأصل مصدر وصف به مبالغة‏.‏

والآية على ما ذهب أكثر المفسرين كلام مستأنف مسوق لبيان حكم آخر من جني ما بين قبله، وقد نزلت على ما روى عن ابن عباس‏.‏ والضحاك‏.‏ وقتادة في بني ليث بن عمرو بن كنانة تحرجوا أن يأكلوا طعامهم منفردين وكان الرجل منهم لا يأكل ويمكث يومه حتى يجد ضيفاً يأكل معه فإن لم يجد من يؤاكله لم يأكل شيئاً وربما قعد الرجل منهم والطعام بين يديه لا يتناوله من الصباح إلى الرواح وربما كانت معه الإبل الحفل فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه فإذا أمسى ولم يجد أحداً أكل، قيل‏:‏ وهذا التحرج سنة موروثة من الخليل عليه الصلاة والسلام، وقد قال حاتم‏:‏ إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له *** أكيلاً فإني لست آكله وحدي

وفي الحديث «شر الناس من أكل وحده وضرب عبده ومنع رفده» وهذا الذم لاعتياده بخلاً بالقرى ونفي الجناح عن وقوعه أحياناً بياناً لأنه لا إثم فيه ولا يذم به شرعاً كما ذمت به الجاهلية فلا حاجة إلى القول بأن الوعيد في الحديث لمن اجتمعت فيه الخصال الثلاث دون الانفراد بالأكل وحده فإنه يقتضي أن كلاً منها على الانفراد غير منهي عنه وليس كذلك، والقول بأنهم أهل لسان لا يخفى عليهم مثله ولكن لمجيء الواو بمعنى أو تركوا كل واحد منها احتياطاً لا وجه له لأن هؤلاء المتحرجين لم يتمسكوا بالحديث، وكون الواو بمعنى أو توهم لا عبرة به، ولا شك أن اجتماع الأيدي على الطعام سنة فتركه بغير داع مذمة انتهى‏.‏

وعن عكرمة‏.‏ وأبي صالح أنه نزلت في قوم من الأنصار كانوا إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلا معه فرخص لهم أن يأكلوا كيف شاؤا، وقيل‏:‏ كان الغني يدخل على الفقير من ذوي قرابته وصداقته فيدعوه إلى طعامه فيقول‏:‏ إني لأتحرج أن آكل معك وأنا غني وأنت فقير وروى ذلك عن ابن عباس، وقال الكلبي‏:‏ كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاماً عزلوا للأعمى ونحوه طعاماً على حدة فبين الله تعالى أن ذلك ليس بواجب‏.‏

وقيل‏:‏ كانوا يأكلون فرادى خوفاً أن يزيد أحدهم على الآخر في الأكل أو أن يحصل من الاجتماع ما ينفر أو يؤذي فنزلت لنفي وجوب ذلك، وأياً ما كان فالعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وقيل‏:‏ الآية من تتمة ما قبلها على معنى أنها وقعت جواباً لسؤال نشأ منه كأن سائلاً يقول‏:‏ هل نفى الحرج في الأكل من بيوت من ذكر خاص فيما إذا كان الأكل مع أهل تلك البيوت أم لا‏؟‏ فأجيب بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً‏}‏ أي مجتمعين مع أهل تلك البيوت في الأكل أو أشتاتاً أي متفرقين بأن يأكل كل منكم وحده ليس معه صاحب البيت وما ألطف نفي الحرج فيما اتسعت دائرته ونفي الجناح فيما ورد فيه بين أمرين والنكات لا يجب إطرادها كذا قيل فتدبر‏.‏

‏{‏فَإِذَا دَخَلْتُمْ‏}‏ شروع في بيان الأدب الذي ينبغي رعايته عند مباشرة ما رخص فيه بعد بيان الرخصة فيه ‏{‏بُيُوتًا‏}‏ أي من البيوت المذكورة كما يؤذن به الفاء ‏{‏فَسَلّمُواْ على أَنفُسِكُمْ‏}‏ أي على أهلها كما أخرج ذلك ابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم‏.‏ والبيهقي في «شعب الايمان» عن ابن عباس‏.‏ وقريب منه ما أخرجه عبد الرزاق‏.‏ وجماعة عن الحسن أن المعنى فليسلم بعضكم على بعض نظير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاقتلوا أَنفُسَكُمْ‏}‏ والتعبير عن أهل تلك البيوت بالأنفس لتنزيلهم منزلتها لشدة الاتصال، وفي الانتصاف في التعبير عنهم بذلك تنبيه على السر الذي اقتضى إباحة الأكل من تلك البيوت المعدودة وأن ذلك إنما كان لأنها بالنسبة إلى الداخل كبيت نفسه للقرابة ونحوها، وقيل‏:‏ المراد السلام على أهلها على أبلغ وجه لأن المسلم إذا ردت تحيته عليه فكأنه سلم على نفسه كما أن القاتل لاستحقاقه القتل بفعله كأنه قاتل نفسه‏.‏ وأخرج عبد الرزاق‏.‏ وابن جرير‏.‏ والحاكم وصححه‏.‏ وغيرهم عن ابن عباس أنه قال في الآية‏:‏ هو المسجد إذا دخلته فقل السلام علينا وعلى عباد الله تعالى الصالحين فحمل البيوت فيها على المساجد والسلام على الأنفس على ظاهره، وقيل‏:‏ المراد بيوت المخاطبين وأهلهم، وذكر أن الرجل إذا دخل على أهله سن له أن يقول‏:‏ السلام عليكم تحية من عند الله مباركة طيبة فإن لم يجد أحداً فليقل السلام علينا من ربنا وروى هذا عن عطاء، وقيل السلام على الأنفس على ظاهره والمراد ببيوت بيوت الكفار وذكر أن داخله وكذا داخل البيوت الخالية يقول ما سمعت آنفاً عن ابن عباس، وقيل‏:‏ يقول على الكفار يقول‏:‏ السلام على من اتبع الهدى، ولا يخفى المناسب للمقام، والسلام بمعنى السلامة من الآفات؛ وقيل‏:‏ اسم من أسمائه عز وجل وقد مر الكلام في ذلك على أتم وجه فتذكر‏.‏

‏{‏تَحِيَّةً مّنْ عِندِ الله‏}‏ أي ثابتة بأمره تعالى مشروعة من لدنه عز وجل فالجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة لتحية، وجوز أن يتعلق بتحية فإنها طلب الحياة وهي من عنده عز وجل، وأصل معناها أن تقول حياك الله تعالى أي أعطاك سبحانه الحياة ثم عمم لكل دعاء، وانتصابها على المصدرية لسلموا على طريق قعدت جلسواً فكأنه قيل فسلموا تسليماً أو فحيوا تحية ‏{‏مباركة‏}‏ بورك فيها بالأجر كما روى عن مقاتل، قال الضحاك‏:‏ في السلام عشر حسنات ومع الرحمة عشرون ومع البركات ثلاثون ‏{‏طَيّبَةً‏}‏ تطيب بها نفس المستمع، والظاهر أنه يزيد المسلم ما ذكر في سلامه، وعن بعض السلف زيادته كما مر آنفاً، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال‏:‏ ما أخذت التشهد إلا من كتاب الله تعالى سمعت الله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلّمُواْ على أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مّنْ عِندِ الله مباركة طَيّبَةً‏}‏ فالتشهد في الصلاة التحيات المباركات الطيبات لله‏.‏

‏{‏كذلك يُبَيّنُ لَكُمُ الايات‏}‏ تكرير لمزيد التأكيد، وفي ذلك تفخيم فخيم للأحكام المختتمة به ‏{‏لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏}‏ ما في تضاعيفها من الشرائع والأحكام وتعملون بموجبها وتحوزون بذلك سعادة الدارين، وفي تعليل هذا التبيين بهذه الغاية القصوى بعد تذييلي الأولين بما يوجبهما من الجزالة ما لا يخفى، وذكر بعض الأجلة أنه سبحانه بدأ السورة بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏سُورَةٌ أنزلناها وفرضناها وَأَنزَلْنَا‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 1‏]‏ وختمها بقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏كذلك يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 85‏]‏ ثم جعل تبارك وتعالى ختام الختم

‏[‏بم قوله سبحانه‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏62 - 63‏]‏

‏{‏إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏62‏)‏ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏63‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّمَا المؤمنون الذين ءامَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ‏}‏ الخ دلالة على أن ملاك ذلك كله والمنتفع بتلك الآيات جمع من سلم نفسه لصاحب الشريعة لصلوات الله تعالى وسلامه عليه كالميت بين يدي الغاسل لا يحجم ولا يقدم دون إشارته صلى الله عليه وسلم ولهذه الدقيقة أورد هذه الآية شهاب الحق والدين أبوحفص عمر اليهروردي قدس سره في باب سير المريد مع الشيخ ونبه بذلك أن كل ما يرسمه من أمور الدين فهو أمر جامع‏.‏

وقال شيخ الإسلام‏:‏ إن هذا استئناف جيء به في أواخر الأحكام السابقة تقريراً لها وتأكيداً لوجوب مراعاتها وتكميلاً لها ببيان بعض آخر من جنسها، وإنما ذكر الإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم صلة للموصول الواقع خبراً للمبتدأ مع تضمنه له قطعاً تقريراً لما قبله وتمهيداً لما بعده وإيذاناً بأنه حقيق بأن يجعل قريناً للايمان المذكور منتظماً في سلكه فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ‏}‏ الخ معطوف على ‏{‏ءامَنُواْ‏}‏ داخل معه في حيز الصلة وبذلك يصح الحمل، والحصل باعتبار الكمال أي إنما الكاملون في الايمان الذين آمنوا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عن صميم قلوبهم وأطاعوا في جميع الأحكام التي من جملتها ما فصل من قبل من الأحكام المتعلقة بعامة أحوالهم المطردة في الوقوع وأحوالهم الواقعة بحسب الاتفاق كما إذا كانوا معه عليه الصلاة والسلام على أمر مهم يجب اجتماعهم في أنه كالجمعة والأعياد والحروب وغيرها من الأمور الداعية إلى الاجتماع لغرض من الأغراض، وعن ابن زيد أن الأمر الجامع الجهاد؛ وقال الضحاك‏:‏ وابن سلام‏:‏ هو كل صلاة فيها خطبة كالجمعة والعيدين والاستسقاء، وعن ابن جبير هو الجهاد وصلاة الجمعة والعيدين، ولا يخفى أن الأولى العموم وإن كانت الآية نازلة في حفر الخندق ولعل ما ذكر من باب التمثيل، ووصف الأمر بالجمع مع أنه سبب له للمبالغة، والظاهر أن ذلك من المجاز العقلي، وجوز أن يكون هناك استعارة مكنية‏.‏

وقرأ اليماني ‏{‏على أَمْرٍ جَمِيعٌ‏}‏ وهو بمعنى جامع أو مجموع له على الحذف والإيصال ‏{‏لَّمْ يَذْهَبُواْ‏}‏ عنه صلى الله عليه وسلم ‏{‏حتى يَسْتَذِنُوهُ‏}‏ عليه الصلاة والسلام في الذهاب فيأذن لهم به فيذهبون فالغاية هي الإذن الحاصل بعد الاستئذان والاقتصار على الاستئذان لأنه الذي يتم من قبلهم وهو المعتبر في كمال الايمان لا الأذن ولا الذهاب المترتب عليه واعتباره في ذلك لما أنه كالمصداق لصحته والمميز للمخلص عن المنافق فإن ديندنه التسلل للفرار، ولتعظيم ما في الذهاب بغير إذنه عليه الصلاة والسلام من الجناية وللتنبيه على ذلك عقب سبحانه بقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين يَسْتَذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ‏}‏ فقد جعل فيه المستأذنين هم المؤمنون عكس الأول دلالة على أنهما متعاكسان سواء بسواء ومنه يلزم أنه كالمصداق لصحة الأيمانين وكذلك من اسم الإشارة لدلالته على أن استئهال الايمانين لذلك ‏{‏فَإِذَا‏}‏ بيان لما هو وظيته صلى الله عليه وسلم في هذا الباب إثر بيان ما هو وظيفة المؤمنين، والفار لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي بعد ما تحقق أن الكاملين في الايمان هم المستأذنون فإذا استأذنوك لبَعْض شَأْنهمْ‏}‏ أي لبعض أمرهم المهم وخطبهم المسلم ‏{‏‏}‏ أي لبعض أمرهم المهم وخطبهم المسلم ‏{‏شَأْنِهِمْ فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ‏}‏ تفويض للأمر إلى رأيه صلى الله عليه وسلم؛ واستدل به على أن بعض الأحكام مفوضة إلى رأيه صلى الله عليه وسلم، وهذه مسألة التفويض المختلف في جوازها بين الأصوليين وهي أن يفوض الحكم إلى المجتهد فيقال له‏:‏ احكم بما شئت فإنه صواب فأجاز ذلك قوم لكن اختلفوا فقال موسى بن عمران‏:‏ بجواز ذلك مطلقاً للنبي وغيره من العلماء، وقال أبو علي الجبائي‏:‏ بجواز ذلك للنبي خصة في أحد قوليه، وقد نقل عن الإمام الشافعي عليه الرحمة في الرسالة ما يدل على التردد بين الجواز والمنغ ومنع من ذلك الباقون‏.‏

والمجوزون اختلفوا في الوقوع، قال الآمدي‏:‏ والمختار الجواز دون الوقوع، وقد أطال الكلام في هذا المقام فليراجع‏.‏ والذي أميل إليه جواز أن يفوض الحكم إلى المجتهد إذا علم أنه يحكم تروياً لا تشيهاً ويكون التفويض حينئذ كالأمر بالاجتهاد، والأليق بشأن الله تعالى وشأن رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينزل ما هنا على ذلك وتكون المشيئة مقيدة بالعلم بالمصلحة‏.‏ وذكر بعض الفضلاء أنه لا خلاف في جواز أن يقال‏:‏ احكم بما شئت تروياً بل الخلاف في جواز أن يقال‏:‏ احكم بما شئت تشهياً كيفما اتفق، وأنت تعلم أنه بعد التقييد لا يكون ما نحن فيه من محل النزاع، ومن الغريب ما قيل‏:‏ إن المراد ممن شئت منهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ولا يخفى ما فيه ‏{‏واستغفر لَهُمُ الله‏}‏ فإن الاستئذان وإن كان لعذر قوي لا يخلو عن شائبة تقديم أمر الدنيا على أمر الآخرة‏.‏ وتقديم ‏{‏لَهُمْ‏}‏ للمبادرة إلى أن الاستغفار للمستأذنين لا للإذن‏.‏

‏{‏أَنَّ الله غَفُورٌ‏}‏ مبالغ في مغفرة فرطات العباد ‏{‏رَّحِيمٌ‏}‏ مبالغ في إفاضة شابيب الرحمة عليهم، والجملة تعليل للمغفرة الموعودة في ضمن الاستغفار لهم، وقد بالغ جل شأنه في الاحتفال برسوله صلوات الله تعالى وسلامه عليه فجعل سبحانه الاستئذان للذهاب عنه ذنباً محتاجاً للاستغفار فضلاً عن الذهاب بدون إذن ورتب الإذن على الاستئذان لبعض شأنهم لا على الاستئذان مطلقاً ولا على الاستئذان لأي أمر مهما كان أو غير مهم ومع ذلك علق الإذن بالمشيئة، وإذا اعتبرت وجوه المبالغة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا المؤمنون‏}‏ إلى هنا وجدتها تزيد على العشرة‏.‏

وفي أحكام القرآن للجلال السيوطي أن في الآية دليلاً على وجوب استئذانه صلى الله عليه وسلم قبل الانصراف عنه عليه الصلاة والسلام في كل أمر يجتمعون عليه، قال الحسن‏:‏ وغير الرسول صلى الله عليه وسلم من الأئمة مثله في ذلك لما فيه من أدب الدين وأدب النفس، وقال ابن الفرس‏:‏ لا خلاف في الغزو أنه يستأذن إمامه إذا كان له عذر يدعوه إلى الانصراف واختلف في صلاة الجمعة إذا كان له عذر كالرعاف وغيره فقيل يلزمه الاستئذان سواء كان أمامه الأمير أم غيره أخذاً من الآية وروى ذلك عن مكحول‏.‏ والزهري‏.‏

‏{‏لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاء الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُمْ بَعْضاً‏}‏ استئناف مقرر لمضمون ما قبله، والالتفات لإبراز مزيد الاعتناء بشأنه أي لا تقيسوا دعاءه عليه الصلاة والسلام إياكم على دعاء بعضكم بعضاً في حال من الأحوال وأمر من الأمور التي من جملتها المساهلة فيه والرجوع عن مجلسه عليه الصلاة والسلام بغير استئذان فإن ذلك من المحرمات، وإلى نحو هذا ذهب أبو مسلم واختاره المبرد‏.‏ والقفال، وقيل المعنى لا تحسبوا دعاءه صلى الله عليه وسلم عليكم كدعاء بعضكم على بعض فتعرضوا لسخطه ودعائه عليكم عليه الصلاة والسلام بمخالفة أمره والرجوع عن مجلسه بغيره استئذان ونحو ذلك، وهو مأخوذ مما جاء في بعض الروايات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وروي عن الشعبي‏.‏ وتعقبه ابن عطية بأن لفظ الآية يدفع هذا المعنى، وكأنه أراد أن الظاهر عليه على بعض، وقيل‏:‏ إنه يأباه ‏{‏بَيْنِكُمْ‏}‏ وهو في حيز المنع، وقيل‏:‏ المعنى لا تجعلوا دعاءه عليه الصلاة والسلام ربه عز وجل كدعاء صغيركم كبيركم وفقيركم غنيكم يسأله حاجته فربما أجابه وربما ربده فإن دعاءه صلى الله عليه وسلم مستجاب لا مرد له عند الله عز وجل فتعرضوا لدعائه لكم بامتثال أمره واستئذانه عند الانصراف عنه إذا كنتم معه على أمر جامع وتحققوا قبول استغفاره لكم ولا تتعرضوا لدعائه عليكم بضد ذلك‏.‏

ولا يخفى وجه تقرير الجملة لماق بلها على هذين القولين؛ لكن بحث في دعوى أن جميع دعائه عليه الصلاة والسلام مستجاب بأنه قد صح أنه صلى الله عليه وسلم سأل الله تعالى في أمته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعه، وهو ظاهر في أنه قد يرد بعض دعائه عليه الصلاة والسلام‏.‏ وتعقب بأنه كيف يرد وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 60‏]‏ وفي الحديث‏:‏ ‏"‏ إن الله تعالى لا يرد دعاء المؤمن وإن تأخر ‏"‏ وقد قال الإمام السهيلي في «الروض»‏:‏ الاستجابة أقسام إما تعجيل ما سأل أو أن يدخل له خير مما طلب أو يصرف عنه من البلاء بقدر ما سأل من الخير، وقد أعطى صلى الله عليه وسلم عوضاً من أن لا يذيق بعضهم بأس بعض الشفاعة وقال‏:‏

«أمتي هذه أمة مرحومة ليس عليها في الآخرة عذاب عذابها في الدنيا الزلزال والفتن» كما في أبي داود فإذا كانت الفتنة سبباً لصرف عذاب الآخرة عن الأمة فلا يقال‏:‏ ما أجاب دعاءه صلى الله عليه وسلم لأن عدم استجابته أن لا يعطى ما سأل أولاً يعوض عنه ما هو خير منه، والمراد بالمنع في الحديث منع ذلك بخصوصه لا عدم استجابة الدعاء بذلك بالمعنى المذكور، وتمام الكلام في هذا المقام يطلب من محله‏.‏

وقيل‏:‏ المعنى لا تجعلوا نداءه عليه الصلاة والسلام وتسميته كنداء بعضكم بعضاً باسمه ورفع الصوت به والنداء وراء الحجرات ولكن بلقبه المعظم مثل يا نبي الله ويا رسول الله مع التوقير والتواضع وخفض الصوت‏.‏

أخرج ابن أبي حاتم‏.‏ وابن مردويه‏.‏ وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال‏:‏ كانوا يقولون‏:‏ يا محمد يا أبا القاسم فنهاهم الله تعالى عن ذلك بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لاَّ تَجْعَلُواْ‏}‏ الآية إعظاماً لنبيه صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ يا نبي الله يا رسول الله، وروي نحو هذا عن قتادة‏.‏ الحسن‏.‏ وسعيد بن جبير‏.‏ ومجاهد، وفي أحكام القرآن للسيوطي أن في هذا النهي تحريم ندائه صلى الله عليه وسلم باسمه‏.‏

والظاهر استمرار ذلك بعد وفاته إلى الآن‏.‏ وذكر الطبرسي أن من جملة المنهي عنه النداء بيا ابن عبد الله فإنه مما ينادي به العرب بعضهم بعضاً‏.‏ وتعقب هذا القول بأن الآية عليه لا تلائم السباق واللحاق‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ وجه الارتباط بما قبلها عليه الإرشاد إلى أن الاستئذان ينبغي أن يكون بقولهم‏:‏ يا رسول الله إنا نستأذنك ونحوه، وكذا خطاب من معه في أمر جامع إياه صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يكون بنحو يا رسول الله لا بنحو يا محمد، ويكفي هذا القدر من الارتباط بما قبل ولا حاجة إلى بيان المناسبة بأن في كل منهما ما ينافي التعظيم اللائق بشأنه العظيم صلى الله عليه وسلم، نعم الأظهر في معنى الآية ما ذكرناه أولاً كما لا يخفى‏.‏ وقرأ الحسن‏.‏ ويعقوب في رواية ‏{‏نبيكم‏}‏ بنون مفتوحة وباء مكسورة وياء آخر الحروف مشددة بدل ‏{‏شهادة بَيْنِكُمْ‏}‏ الظرف في قراءة الجمهور، وخرج على أنه بدل من ‏{‏الرسول‏}‏ ولم يجعل نعتاً له لأنه مضاف إلى الضمير والمضاف إليه في رتبة العلم وهو أعرف من المعرف بأل ويشترط في النعت أن يكون دون المنعوت أو مساوياً له في التعريف، وقال أبو حيان‏:‏ ينبغي أن يجوز النعت لأن ‏{‏الرسول‏}‏ قد صار علماً بالغلبة كالبيت للكعبة فقد تساويا في التعريف‏.‏

‏{‏قَدْ يَعْلَمُ الله الذين يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ‏}‏ وعيد لمن هو بضد أولئك المؤمنين الذين لم يذهبوا حتى يستأذنوه عليه الصلاة والسلام، والتسلل الخروج من البين على التدريج والخفية، وقد للتحقيق، وجوز أن تكون لتقليل المتسللين في جنب معلوماته تعالى وأن تكون للتكثير إما حقيقة أو استعارة ضدية، وقال أبو حيان‏:‏ إن قول بعض النحاة بإفادة قد التكثير إذا دخلت على المضارع غير صحيح وإنما التكثير مفهوم من سياق الكلام كما في قول زهير‏:‏ أخى ثقة لا يهلك الخمر ماله *** ولكنه قد يهلك المال نائله

فإن سياق الكلام للمدح يفهم منه ذلك أي قد يعلم الله الذين يخرجون من الجماعة قليلاً قليلاً على خفية ‏{‏لِوَاذاً‏}‏ أي ملاوذة بأن يستتر بعضهم ببعض حتى يخرج‏.‏ وأخرج أبو داود في مراسيله عن مقاتل قال‏:‏ كان لا يخرج أحد لرعاف أو إحداث حتى يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليه بأصبعه التي تلي الإبهام فيأذن له النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليه بيده وكان من المنافقين من تثقل عليه الخطبة والجلوس في المسجد فكان إذا استأذن رجل من المسلمين قام المنافق إلى جنبه يستتر به حتى يخرج فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏قَدْ يَعْلَمُ‏}‏ الآية، وقيل يلوذ به إراءة أنه من أتباعه‏.‏

ونصب ‏{‏لِوَاذاً‏}‏ على المصدرية أو الحالية بتأويل ملاوذين وهو مصدر لاوذ لعدم قلب واوه ياء تبعاً لفعله ولو كان مصدر لاذ لقيل لياذاً كقياماً‏.‏

وقرأ يزيد بن قطيب ‏{‏لِوَاذاً‏}‏ بفتح اللام فاحتمل أن يكون مصدر لاذ ولم تقلب واوه ياء لأنه لا كسرة قبلها فهو كطواف مصدر طاف، واحتمل أن يكون مصدر لاوذ وفتحة اللام لأجل فتحة الواو، والفاء في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ‏}‏ لترتيب الحذر أو الأمر به على ما قبلها من علمه تعالى بأحوالهم فإنه مما يوجب الحذر البتة، والمخالفة كما قال الراغب‏:‏ أن يأخذ كل واحد طريقاً غير طريق الآخر في حاله أو فعله والأكثر استعمالها بدون عن فيقال خالف زيد عمراً وإذا استعملت بعن فذاك على تضمين معنى الإعراض‏.‏

وقيل الخروج أي يخالفون معرضين أو خارجين عن أمره‏.‏ وقال ابن الحاجب‏:‏ عدى يخالفون بعن لما في المخالفة من معنى التباعد والحيد كأنه قيل الذين يحيدون عن أمره بالمخالفة وهو أبلغ من أن يقال‏:‏ يخالفون أمره‏.‏

وقيل على تضمين معنى الصد، وقيل إذا عدى بعن يراد به الصد دون تضمين ويتعدى إلى مفعول بنفسه يقال‏:‏ خالف زيداً عن الأمر أي صده عنه والمفعول عليه هنا محذوف أي يخالفون المؤمنين أي يصدونهم عن أمره وحذف المفعول لأن المراد تقبيح حال المخالف وتعظيم أمر المخالف عنه فذكر الأهم وترك ما لا اهتمام به وقد يتعدى بإلى فيقال خالف إليه إذا أقبل نحوه‏.‏

وقال ابن عطية‏:‏ ‏{‏عَنْ‏}‏ هنا بمعنى بعد، والمعنى يقع خلافهم بعد أمره كما تقول‏:‏ كان المطر عن ريح وأطعمته عن جوع‏.‏ وقال أبو عبيدة‏.‏ والأخش‏:‏ هي زائدة أي يخالفون ‏{‏أَمَرَهُ‏}‏ وضمير أمره لله عز وجل فإن الأمر له سبحانه في الحقيقة أو للرسول صلى الله عليه وسلم فإنه المقصود بالذكر، والأمر له قيل الطلب أو الشأن أو ما يعمهما، ولا يخفى أن في تجويز كل على كل من الاحتمالين في الضمير نظراً فلا تغفل‏.‏ وقرىء ‏{‏يَخْلُفُونَ‏}‏ بالتشديد أي يخلفون أنفسهم عن أمره ‏{‏أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ‏}‏ أي بلاء ومحنة في الدنيا كما روي عن مجاهد‏.‏ وعن ابن عباس تفسير الفتنة بالقتل‏.‏ وعن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه تفسيرها بتسليط سلطان جائر، وعن السدي‏.‏ ومقاتل تفسيرها بالكفر والأول أولى‏.‏

‏{‏أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ أي في الآخرة‏.‏ وقيل في الدنيا، والمراد بالعذاب الأليم القتل وبالفتنة ما دونه وليس بشيء‏.‏ وكلمة أو لمنع الخلو دون الجمع‏.‏ وإعادة الفعل صريحاً للاعتناء بالتهديد والتحذير‏.‏ وشاع الاستدلال بالآية على أن الأمر للوجوب فإنه تعالى أوجب فيها على مخالف الأمر الحذر عن العذاب وذلك تهديد على مخالفة الأمر وهو دليل كون الأمر للوجوب إذ لا تهديد على ترك غير الواجب، وأيضاً بناء حكم الحذر عن العذاب إلى المخالف يقتضي أن يكون حذره عنه من حيث المخالفة، وذلك إنما يكون إذا أفضى إلى العذاب كما في قولك فليحذر الشاتم للأمير أن يضربه ولا إفضاء في ترك غير الواجب‏.‏

وهذا الأمر أعني ‏{‏فَلْيَحْذَرِ‏}‏ بخصوصه مستعمل في الإيجاب إذ لا معنى لندب الحذر عن العقاب أو إباحته، وأيضاً إشعار الآية بوجوب الحذر غير خاف بقرينة ورودها في معرض الوعيد بتوقع إصابة العذاب على أنه لو حمل الأمر المذكور على أنه للندب يحصل المطلوب وذلك لأن التحذير عما لم يعلم أو لم يظن تحققه ولا تحقق ما يفضي إلى وقوعه في الجملة سفه غير جائز بمعنى أنه مخالف للحكمة ولهذا يلام من يحذر عن سقوط الجدار المحكم الغير المائل، وأياً ما كان يندفع ما يقال‏:‏ لا نسلم أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلْيَحْذَرِ‏}‏ للوجوب لأنه عين محل النزاع إذ يكفي في المطلوب على ما قررنا استعماله في الندب أيضاً، والقول بأن معنى مخالفة الأمر عدم اعتقاد حقيته أو حمله على غير ما هو عليه بأن يكون للوجوب أو الندب مثلاً فيحمل على غيره بعيد جداً، والظاهر المتبادر إلى الفهم أنه ترك الامتثال والإتيان بالمأمور به فلا يترك إلى ذلك إلا بدليل‏.‏

واعترض بأنه بعد هذا القيل والقال لا يدل على أن جميع الأوامر حقيقة في الوجوب لإطلاق الأمر‏.‏

وأجيب بأن ‏{‏أَمَرَهُ‏}‏ مصدر مضاف وهو يفيد العموم حيث فقدت قرينة العهد على أن الإطلاق كاف في المطلوب، وهو كون الأمر المطلق للوجوب خاصة إذ لو كان حقيقة لغيره أيضاً لم يترتب التهديد على مخالفة مطلق الأمر‏.‏ وقال بعض الأجلة‏:‏ لا قائل بالفصل في صيغ الأمر بأن بعضها للوجوب وبعضها لغيره‏.‏ وزعم بعضهم أن الاستدلال لا يتم إذا أريد بالأمر الطلب، ولو فسر بالشأن وكان الضمير للرسول عليه الصلاة والسلام لزم من القول بدلالتها على الوجوب أن يكون كل ما يفعله صلى الله عليه وسلم واجباً علينا ولا قائل به‏.‏ والزمخشري فسره بالدين والطاعة‏.‏

وقال صاحب الكشف‏:‏ إن الاستدلال بالآية على أن الأمر للوجوب مشهور سواء فسر بما ذكر لأن الطاعة امتثال الأمر القولي أو فسر على الحقيقة، وأما إذا جعل إشارة إلى ما سبق من الأمر الجامع ومعنى ‏{‏يخالفون عَنْ أَمْرِهِ‏}‏ ينصرفون عنه فلا وليس بالوجه وإن آثره جمع لفوات المبالغة والتناول الأولى والعدول عن الحقيقة في لفظ الأمر ثم المخالفة من غير ضرورة انتهى، وهذا الذي آثره جمع ذكره الطيبي عن البغوي ثم قال‏:‏ هذا هو التفسير الذي عليه التعويل ويساعد عليه النظم والتأويل لأن الأمر حينئذٍ بمعنى الشأن وواحد الأمور، وبيانه إن ما قبله حديث في الأمر الجامع وهو الأمر الذي يجمع عليه الناس ومدح من لزم مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذهب عنه وذم من فارقه بغير الإذن وأمر بالاستغفار في حق من فارق بالإذن لأن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 62‏]‏ يؤذن أن القوم ثلاث فرق المأذون في الذهاب بعد الاستئذان والمتخلف عنه ثم المتخلف إما أن يدوم في مجلسه عليه الصلاة والسلام ولم يل الله صلى الله عليه وسلم ولم يذهب عنه وذم من فارقه بغير الإذن وأمر بالاستغفار في حق من فارق بالإذن لأن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 62‏]‏ يؤذن أن القوم ثلاث فرق المأذون في الذهاب بعد الاستئذان والمتخلف عنه ثم المتخلف إما أن يدوم في مجلسه عليه الصلاة والسلام ولم يعم قيل عليه‏:‏ إن فوات المبالغة والتناول لا يقاوم العهد ولا عدول عن الحقيقة لأن الأمر حقيقة في الحادثة وكذا المخالفة فيما ذكر ولو سلم فهو مشترك الإلزام فإن الأمر ليس حقيقة في الأمر العام وقوله‏:‏ بلا ضرورة ممنوع فإن إضافة العهد صارفة‏.‏ وتعقب بأن هذا مكابرة ومنع مجرد لا يسمع فإن الأبلغية لا شبهة فيها فإن تهديد من لم يمتثل أمره عليه الصلاة والسلام أشد من تركه بلا إذن وكون الأمر حقيقة في الطلب هو الأصح في الأصول والمخالفة المقارنة للأمر لا شبهة في أن حقيقتها عدم الامتثال واشتراك الإلزام ليس بتام لأن أمره إذا عم يشمل الأمر الجامع بمعنى الطلب أيضاً وعهد الإضافة ليس بمتعين حتى يعد صارفاً كذا قيل وفيه بحث فتأمل، وقد يقال بناءً على كون الأمر المذكور إشارة إلى الأمر الجامع‏:‏ إنه جىء بأو في قوله‏:‏ ‏{‏أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 36‏]‏ لما أن الأمر الجامع إما أن يكون أمراً دنيوياً كالتشاور في الأمور الحربية فالانصراف عنه مظنة إصابة المحنة الدنيوية للمنصرفين وإما أن يكون أمراً دينياً كإقامة الجمعة التي فيها تعظيم شعائر الإسلام فالانصراف عنه مظنة إصابة العذاب الأخروي‏.‏ وبالجملة لا استدلال بالآية على اعتبار العهد وأما إذا لم يعتبر فقد استدل بها، وقد سمعت شيئاً من الكلام في ذلك وتمامه جرحاً وتعديلاً وغير ذلك في كتب الأصول‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏64‏]‏

‏{‏أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏64‏)‏‏}‏

‏{‏أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِى السموات والارض‏}‏ من الموجودات بأسرها خلقاً وملكاً وتصرفاً إيجاداً وإعداماً بدءاً وإعادة لا لأحد غيره شركة أو استقلالاً ‏{‏قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ‏}‏ أيها المكلفون من الأحوال والأوضاع التي من جملتها الموافقة والمخالفة والإخلاص والنفاق ودخول المنافقين مع أن الخطاب فيما قبل للمؤمنين بطريق التغليب، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ‏}‏ خاص بالمنافقين وهو مفعول به عطف على ‏{‏مَا أَنتُمْ‏}‏ أي يعلم يوم يرجع المنافقون المخالفون للأمر إليه عز وجل للجزاء والعقاب‏.‏

وتعليق علمه بيوم رجعهم لا برجعهم لزيادة تحقيق علمه سبحانه بذلك وغاية تقريره لما أن العلم بوقت وقوع الشيء مستلزم للعلم بوقوع الشيء على أبلغ وجه وآكده، وفيه إشعار بأن علمه جل وعلا بنفس رجعهم من الظهور بحيث لا يحتاج إلى البيان قطعاً‏.‏ ويجوز أن يكون الخطاب السابق خاصاً بهم أيضاً فيتحقق التفاتان التفات من الغيبة إلى الخطاب في ‏{‏أَنتُمْ‏}‏ والتفات من الخطاب إلى الغيبة في ‏{‏يَرْجِعُونَ‏}‏ والعطف على حاله‏.‏ وجوز أن يكون على مقدر أي ما أنتم عليه الآن ويوم الخ فإن الجملة الاسمية تدل على الحال في ضمن الدوام والثبوت‏.‏ وقيل‏:‏ يجوز أن يكون ‏{‏يَوْمٍ‏}‏ ظرفاً لمحذوف يعطف على ما قبله أي وسيحاسبهم يوم أو نحو ذلك ولا أرى اختصاصه بالوجه الثاني في الخطاب‏.‏

وفي «البحر» بعد ذكر الوجهين فيه والظاهر عطف ‏{‏يَوْمٍ‏}‏ على ‏{‏مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ‏}‏ وقال ابن عطية‏:‏ يجوز أن يكون التقدير والعلم يظهر لكم أو نحو هذا يوم فيكون ‏{‏يَوْمٍ‏}‏ نصباً على الظرفية بمحذوف وقد للتحقيق وفيها الاحتمالان المتقدمان آنفاً، وقد مر غير مرة ما يراد بمثل هذه الجملة من الوعيد أو الوعد‏.‏ ولا يخفى المناسب لكل من الاحتمالات في ‏{‏أَنتُمْ‏}‏ وقرأ ابن يعمر‏.‏ وابن أبي إسحاق‏.‏ وأبو عمرو ‏{‏لاَ يَرْجِعُونَ‏}‏ مبنياً للمفعول ‏{‏فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ‏}‏ أي بعملهم أو بالذي عملوه من الأعمال السيئة التي من جملتها مخالفة الأمر فيرتب سبحانه عليه ما يليق به من التوبيخ والجزاء أو فينبئهم بما عملوا خيراً أو شراً فيرتب سبحانه على ذلك ما يليق به إن خيراً فخير وإن شراً فشر ‏{‏والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ‏}‏ لا يخفى عليه شيء من الأشياء‏.‏ والجملة تذييل مقرر لما قبله، وإظهار الاسم الجليل في مقام الإضمار لتأكيد استقلال الجملة والإشعار بعلة الحكم، وتقديم الظرف لرعاية رؤوس الآي‏.‏ وقيل وفيه بحث‏:‏ إنه للحصر على معنى والله عليم بكل شيء لا ببعض الأشياء كما يزعمه بعض جهلة الفلاسفة ومن حذا حذوهم حفظنا الله تعالى والمسلمين مما هم عليه من الضلالات وجعل لنا نوراً نهتدي به إذا ادلهم ليل الجهالات هذا‏.‏

ومن باب الإشارة في الآيات‏:‏ ما قيل في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِى سَحَاباً‏}‏ إلى آخره أنه إشارة إلى جمع العناصر الأربعة وتركيب الإنسان منها ثم خروج مطر الإحساس من عينيه وأذنيه مثلاً وينزل من سماء العقل الفياض برد حقائق العلوم فيصيب به من يشاء فتظهر آثاره عليه ويصرفه عمن يشاء حسبما تقتضيه الحكمة الإلهية ‏{‏يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ‏}‏ نور تجليه ‏{‏يَذْهَبُ الابصار‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 43‏]‏ بأن يعطلها عن الإبصار ويفني أصحابها عنها لما أن الإدراك بنوره فوق الإدراك بنور الإبصار ‏{‏يُقَلّبُ الله اليل والنهار‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 44‏]‏ إشارة إلى ليل المحو ونهار الصحو أو ليل القبض ونهار البسط أو ليل الجلال ونهار الجمال أو نحو ذلك‏.‏ وقيل‏:‏ يزجى سحاب المعاصي إلى أن يتراكم فترى مطر التوبة يخرج من خلاله كما خرج من سحاب ‏{‏وعصى ءادَمَ‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 121‏]‏ مطر ‏{‏ثُمَّ اجتباه‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 122‏]‏ ربه وينزل من سماء القلوب من جبال القسوة فيها من برد القهر يقلب الله ليل المعصية لمن يشاء إلى نهار الطاعة وبالعكس ‏{‏والله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مّن مَّاء‏}‏ تقدم الكلام في الماء ‏{‏فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى على بَطْنِهِ‏}‏ يعتمد في سيره على الباطن وهم أهل الجذبة المغمورون في بحار المحبة ‏{‏وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِى على رِجْلَيْنِ‏}‏ يعتمد في سيره الشريعة والطريقة لكن فيما يتعلق به خاصة منهما وهم صنف من الكاملين سكنوا زوايا الخمول ولم يخالطوا الناس ولم يشتغلوا بالإرشاد ‏{‏وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى على أَرْبَعٍ‏}‏ يعتمد في سيره الشريعة والطريقة فيما يتعلق به وبغيره منهما وهم صنف آخر من الكاملين برزوا للناس وخالطوهم واشتغلوا بالإرشاد وعملوا في أنفسهم بما تقتضيه الشريعة والطريقة وعاملوا الناس والمريدين بذلك أيضاً‏:‏ ‏{‏يَخْلُقُ الله مَا يَشَاء‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 45‏]‏ فلا يبعد أن يكون في خلقه من يمشي على أكثر كالكاملين الذين أوقفهم الله تعالى على أسرار الملك والملكوت وما حده لكل أمة من الأمم ونوع من أنواع المخلوقات فعاملوا بعد أن عملوا في أنفسهم ما يليق بهم كل أمة وكل نوع بما حد له ‏{‏كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 41‏]‏‏.‏

وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيِقُولُونَ امَنَّا بالله وبالرسول‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 47‏]‏ الآيات إشارة إلى أحوال المنكرين في القلب على المشايخ وأحوال المصدقين بهم قلباً وقالباً وفي قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 54‏]‏ إشارة إلى أن طاعة الرسول سبب لحصول المكاشفات ونحوها، قال أبو عثمان‏:‏ من أمر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة لأن الله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ‏}‏ وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا المؤمنون الذين بالله وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ حتى يَسْتَذِنُوهُ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 62‏]‏ إشارة إلى أنه لا ينبغي للمريد الاستبداد بشيء قال عبد الله الرازي‏:‏ قال قوم من أصحاب أبي عثمان لأبي عثمان أوصنا فقال‏:‏ عليكم بالاجتماع على الدين وإياكم ومخالفة الأكابر والدخول في شيء من الطاعات إلا بإذنهم ومشورتهم وواسوا المحتاجين بما أمكنكم فإذا فعلتم أرجو أن لا يضيع الله تعالى لكم سعياً ‏{‏رَّحِيمٌ لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاء الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُمْ بَعْضاً‏}‏ فيه من تعظيم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ما فيه، وذكر أن الشيخ في جماعته كالنبي في أمته فينبغي أن يحترم في مخاطبته ويميز على غيره ‏{‏فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 36‏]‏ قال أبو سعيد الخراز‏:‏ الفتنة إسباغ النعم مع الاستدراج، وقال الجنيد قدس سره‏:‏ قسوة القلب عن معرفة المعروف والمنكر، وقال بعضهم‏:‏ طبع على القلوب والعذاب الأليم هو عذاب البعد والحجاب عن الحضرة نعوذ بالله تعالى من ذلك ونسأله سبحانه التوفيق إلى أقوم المسالك فلا رب غيره ولا يرجى إلا خيره‏.‏

‏[‏سورة الفرقان‏]‏

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ‏(‏1‏)‏‏}‏

‏{‏تَبَارَكَ الذى نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ لِيَكُونَ للعالمين نَذِيراً‏}‏ أي تعالى جل شأنه في ذاته وصفاته وأفعاله على أتم وجه وأبلغه كما يشعر به إسناد صيغة التفاعل إليه تعالى وهذا الفعل لا يسند في الأغلب إلى غيره تعالى ومثله تعالى ولا يتصرف فلا يجىء منه مضارع ولا أمر ولا ولا في الأغلب أيضاً وإلا فقد قرأ أبي كما سيأتي إن شاء الله تعالى تباركت الأرض ومن حولها، وجاء كما في «الكشف» تباركت النخلة أي تعالت، وحكى الأصمعي أن أعرابياً صعد رابية فقال لأصحابه‏:‏ تباركت عليكم، وقال الشاعر‏:‏

‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ *** إلى الجذع جذع النخلة المتبارك

وقال الخليل‏:‏ معنى تبارك تمجد، وقال الضحاك‏:‏ تعظم وهو قريب من قريب، وعن الحسن‏.‏ والنخعي أن المعنى تزايد خيره وعطاؤه وتكاثر وهي إحدى روايتين عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ثانيتهما أن المعنى لم يزل، ولا يزال وتحقيق ذلك أن تبارك من البركة وهي في الأصل مأخوذة من برك البعير وهو صدره ومنه برك البعير إذا ألقى بركه على الأرض واعتبر فيه معنى اللزوم فقيل براكاء الحرب وبروكاؤها للمكان الذي يلزمه الإبطال وسمي محبس الماء بركة كسدرة ثم أطلقت على ثبوت الخير الإلهي في الشيء ثبوت الماء في البركة، وقيل‏:‏ لما فيه ذلك الخير مبارك ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يحس وعلى وجه لا يحصى ولا يحصر قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة هو مبارك وفيه بركة؛ فمن اعتبر معنى اللزوم كابن عباس بناءً على الرواية الثانية عنه قال‏:‏ المعنى لم يزل ولا يزال أو نحو ذلك، ومن اعتبر معنى التزايد انقسم إلى طائفتين فطائفة جعلوه باعتبار كمال الذات في نفسها ونقصان ما سواها ففسروا ذلك بالتعالي ونحوه وطائفة جعلوه باعتبار كمال الفعل ففسروه بتزايد الخير وتكاثره ولا اعتبار للتغير المبني على اعتبار معنى اللزوم لقلة فائدة الكلام عليه وعدم مناسبة ذلك المعنى لما بعد، ومن هنا ردد الجمهور المعنى بين ما ذكرناه أولاً وما روي عن الحسن ومن معه؛ وترتيب وصفه تعالى بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏تبارك‏}‏ بالمعنى الأول على إنزاله جل شأنه الفرقان لما أنه ناطق بعلو شأنه سبحانه وسمو صفاته وابتناء أفعاله على أساس الحكم والمصالح وخلوها عن شائبة الخلل بالكلية وترتيب ذلك بالمعنى الثاني عليه لما فيه من الخير الكثير لأنه هداية ورحمة للعالمين، وفيه ما ينتظم به أمر المعاش والمعاد وكلا المعنيين مناسب للمقام ورجح الأول بأنه أنسب به لمكان قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِيَكُونَ للعالمين نَذِيراً‏}‏ فقد قال الطيبي في اختصاص النذير دون البشير سلوك طريقة براعة الاستهلال وازيذان بأن هذه السورة مشتملة على ذكر المعاندين المتخذين لله تعالى ولداً وشريكاً الطاعنين ‏{‏فِى كتابه وَرُسُلِهِ واليوم الاخر‏}‏، وهذا المعنى يؤيد تأويل تبارك بتزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله جل وعلا لإفادته صفة الجلال والهيبة وإيذانه من أول الأمر بتعاليه سبحانه عما يقول الظالمون علواً كبيراً وهو من الحسن بمكان، و‏{‏الفرقان‏}‏ مصدر فرق الشيء من الشيء وعنه إذا فصله، ويقال أيضاً كما ذكره الراغب فرقت بين الشيئين إذا فصلت بينهما سواء كان ذلك بفصل يدركه البصر أو بفصل تدركه البصرة، والتفريق بمعناه إلا أنه يدل على التكثير دونه، وقيل ءن الفرق في المعاني والتفريق في الأجسام والمراد به القررن وإطلاقه عليه لفصله بين الحق والباطل بما فيه من البيان أو بين المحق والمبطل لما فيه من الإعجاز أو لكونه مفصولاً بعضه عن بعض في نفسه أو في الإنزال حيث لم ينزل دفعة كسائر الكتب، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يقوله الصوفية في ذلك فهو مصدر بمعنى الفاعل أو بمعنى المفعول، ويجوز أن يكون ذلك من باب هي إقبال وإدبار فلا تغفل‏.‏

والمراد بعبده نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وإيراده عليه الصلاة والسلام بذلك العنوان لتشريفه وازيذان بكونه صلوات الله تعالى وسلامه عليه في أقصى مراتب العبودية والتنبيه على أن الرسول لا يكون إلا عبداً للمرسل رداً على النصارى، وقيل‏:‏ المراد بالفرقان جميع الكتب السماوية لأنها كلها فرقت بين الحق والباطل وبعبده الجنس الشامل لجميع من نزلت عليهم، وأيد بقراءة ابن الزبير ‏{‏على عِبَادِهِ‏}‏، ولا يخفى ما في ذلك من البعد، والمراد بالعباد في قراءة ابن الزبير الرسول عليه الصلاة والسلام وأمته، والإنزال كما يضاف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يضاف إلى أمته كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 10‏]‏ لأنه واصل إليهم ونزوله لأجلهم فكأنه منزل عليهم وإن كان إنزاله حقيقة عليه عليه الصلاة والسلام، وقيل‏:‏ المراد بالجمع هو صلى الله عليه وسلم وعبر عنه به تعظيماً، وضمير يكون عائد على عبده، وقيل على ‏{‏الفرقان‏}‏ وإسناد الإنذار إليه مجاز، وقيل على الموصول الذي هو عبارة عنه تعالى، ورجح بأنه العمدة المسند إليه الفعل والإنذار من صفاته عز وجل كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 3‏]‏ وقيل على التنزيل المفهوم من ‏{‏نَزَّلَ‏}‏، والمتبادر إلى الفهم هو الأول وهو الذي يقتضيه ما بعد، والنذير صفة مشبهة بمعنى منذر‏.‏

وجوز أن يكون مصدراً بمعنى إنذار كالنكير بمعنى إنكار وحكم الأخبار بالمصدر شهير، والإنذار إخبار فيه تخويف ويقابله التبشير ولم يتعرض له لما مر آنفاً، والمراد بالعالمين عند جمع من العالمين الإنس والجن ممن عاصره صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة‏.‏

ويؤيده قراءة ابن الزبير للعالمين للجن والإنس وإرساله صلى الله عليه وسلم إليهم معلوم من الدين بالضرورة فيكفر منكره، وكذا الملائكة عليهم السلام كما رجحه جمع محققون كالسبكي ومن تبعه ورد على من خالف ذلك، وادعى بعضهم دلالة الآية عليه لأن العالم ما سوى الله تعالى وصفاته العلى فيشمل الملائكة عليهم السلام‏.‏ وصيغة جمع العقلاء للتغليب أو جمع بعد تخصيصه بالعقلاء‏.‏

ومن قال كالبارزي‏:‏ إنه عليه الصلاة والسلام أرسل حتى إلى الجمادات بعد جعلها مدركة لظاهر خبر مسلم وأرسلت إلى الخلق كافة لم يخصص، واكتفى بالتغليب وفائدة الإرسال للمعصوم وغير المكلف طلب إذعانهما لشرفه عليه الصلاة والسلام ودخولهما تحت دعوته واتباعه تشريفاً على سائر المرسلين عليهم السلام‏.‏

وتقديم الجار والمجرور على متعلقه للتشويق ومراعاة الفواصل وللحصر أيضاً على القول الأول في العالمين، وإبراز تنزيل الفرقان في معرض الصلة التي حقها أن تكون معلومة الثبوت للموصول عند السامع مع إنكار الكفرة له لإجرائه مجرى المعلوم المسلم تنبيهاً على قوة دلائله وكونه بحيث لا يكاد يجهله أحد كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لاَ رَيْبَ فِيهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 2‏]‏ وكذا يقال في نظائره من الصلات التي ينكرها الكفرة‏:‏ وقال بعضهم‏:‏ لا حاجة لما ذكر إذ يكفي في الصلة أن تكون معلومة للسامع المخاطب بها ولا يلزم أن تكون معلومة لكل سامع، والمخاطب بها هنا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عليه الصلاة والسلام عالم بثبوتها للموصول، وفي شرح التسهيل أنه لا يلزم فيها أن تكون معلومة وإن تعريف الموصول كتعريف أل يكون للعهد والجنس وأنه قد تكون صلته مبهمة للتعظيم كما في قوله‏:‏ فإن أستطع أغلب وأن يغلب الهوى *** فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه

وما ذكر أولاً من تنزيلها منزلة المعلوم أبلغ لكونه كناية عما ذكر مناسبة للرد على من أنكر النبوة وتوحيد الله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ‏(‏2‏)‏‏}‏

‏{‏الذى لَهُ مُلْكُ السموات والارض‏}‏ أي له سبحانه خاصة دون غيره لا استقلالاً ولا اشتراكاً السلطان القاهر والاستيلاء الباهر عليهما المستلزم للقدرة التامة والتصرف الكلي فيهما وفيما فيهما إيجاداً وإعاداً وإحياء وإماتة وأمراً ونهياً حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح، ومحل الموصول الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها أو على أنه نعت للموصول الأول أو بيان له أو بدل منه، وما بينهما ليس بأجنبي لأنه من تمام الصلة ومتعلق بها فلا يضر الفصل به بين التابع والمتبوع كما في «البحر» أو محله الرفع أو النصب على المدح بتقدير هو أو أمدح‏.‏

واختار الطيبي أن محله الرفع على الإبدال وعلله بقوله لأن من حق الصلة أن تكون معلومة عند المخاطب وتلك الصلة لم تكن معلومة عند المعاندين فأبدل ‏{‏الذى لَهُ‏}‏ الخ بياناً وتفسيراً وهو بعيد من مثله وسبحان من لا يعاب عليه شيء ‏{‏وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً‏}‏ أي لم ينزل أحداً منزلة الولد، وقيل أي لم يكن له ولد كما يزعم الذين يقولون في حق المسيح وعزير‏.‏ والملائكة عليهم السلام ما يقولون فسبحان الله عما يصفون، والجملة معطوفة على ما قبلها من الجملة الظرفية وكذا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى الملك‏}‏ أي ملك السموات والأرض، وأفرد بالذكر مع أن ما ذكر من اختصاص ملكهما به تعالى مستلزم له قطعاً للتصريح ببطلان زعم الثنوية القائلين بتعدد الآلهة والرد في نحورهم وتوسيط نفي اتخاذ الولد بينهما للتنبيه على استقلاله وأصالته والاحتراز عن توهم كونه تتمة للأول ‏{‏وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء‏}‏ أي أحدثه إحداثاً جارياً على سنن التقدير والتسوية حسبما اقتضته إرادته المبنية على الحكم البالغة كخلقة الإنسان من مواد مخصوصة وصور وأشكال معينة ‏{‏فَقَدَّرَهُ‏}‏ أي هيأه لما أرد به من الخصائص والأفعال اللائقة به ‏{‏تَقْدِيراً‏}‏ بديعاً لا يقادر قدره ولا يبلغ كنهه كتهيئة الإنسان للفهم والإدراك والنظر والتدبر في أمور المعاد والمعاش واستنباط الصنائع المتنوعة ومزاولة الأعمال المختلفة إلى غير ذلك فلا تكرار في الآية لما ظهر من أن التقدير الدال عليه الخلق بمعنى التسوية والمعبر عنه بلفظه بمعنى التهيئة وهما غيران والخلق على هذا على حقيقته، ويجوز أن يكون الخلق مجازاً بل منقولاً عرفياً في معنى الأحداث والإيجاد غير ملاحظ فيه التقدير وإن لم يخل عنه ولهذا صح التجوز ويكون التصريح بالتقدير دلالة على أن كل واحد مقصود بالذات فكأنه قيل وأوجد كل شيء فقدره في إيجاده لم يوجد متفاوتاً بل أوجده متناصفاً متناسباً، وقيل التقدير الثاني هو التقدير للبقاء إلى الأجل المسمى فكأنه قيل وأوجد كل شيء على سنن التقدير فأدامه إلى الأجل المسمى والقول الأول محتار الزجاج وهو كما في «الكشف» أظهر والفاء عليه للتعقيب مع الترتيب‏.‏

وزعم بعضهم أن في الكلام قلباً وهو على ما فيه لا يدفع لزوم التكرار بدون أحد الأوجه المذكورة كما لا يخفى، وجملة ‏{‏خُلِقَ‏}‏ الخ عطف على ما تقدم وفيها رد على الثنوية القائلين بأن خالق الشر غير خالق الخير ولا يضر كونه معلوماً مما تقدم لأنها تفيد فائد جديدة لما فيها من الزيادة، وقيل‏:‏ هي رد على من يعتقد اعتقاد المعتزلة في أفعال الحيوانات الاختيارية‏.‏ وفي «إرشاد العقل السليم» أنها جارية مجرى العليل لما قبلها من الجمل المنتظمة في سلك الصلة فإن خلقه تعالى لجميع الأشياء على النمط البديع كما يقتضي استقلاله تعالى باتصافه بصفات الألوهية يقتضي انتظام كل ما سواه كائناً ما كان تحت ملكوته القاهر بحيبث لا يشذ من ذلك ومن كان كذلك كيف يتوهم كونه ولداً له سبحانه أو شريكاً في ملكه عز وجل، وذكر الطيبي أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَهُ مَلَكُوتَ السموات والارض‏}‏ توطئة وتمهيد لقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى الملك‏}‏ وأردف بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء‏}‏ لما أن كونه سبحانه بديع السموات والأرض وفاطرهما ومالكهما مناف لاتخاذ الولد والشريك قال تعالى‏:‏ ‏{‏بَدِيعُ السموات والارض *أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 101‏]‏ الآية، وقد يقال‏:‏ إن هذه الجملة تصريح بما علم قبل ليكون التشنيع على المشركين

‏[‏بم بقوله سبحانه‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏واتخذوا مِن دُونِهِ ءالِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ‏}‏ أظهر، وضمير ‏{‏اتخذوا‏}‏ للمشكرني المفهوم من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى الملك‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 2‏]‏ أو من المقام، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏نَذِيراً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 1‏]‏، وقال الكرماني‏:‏ للكفار وهم مندرجون في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏للعالمين‏}‏ والمراد حكاية أباطيلهم في أمر التوحيد والنبوة وإظهار بطلانها بعد أن بين سبحانه حقيقة الحق في مطلع السورة الكريمة أي اتذوا لأنفسهم متجاوزين الله تعالى الذي ذكر بعض شؤونه العظيمة آلهة لا يقدرون على خلق شيء من الأشياء وهم مخلوقون لله تعالى أو هم يختلقهم عبدتهم بالنحت والتصوير، ورجح المعنى الأول بأن الكلام عليه أشمل ولا يختص بالأصنام بخلافه على الثاني ويكون التعبير بالمضارع عليه في ‏{‏يُخْلَقُونَ‏}‏ المبني للمفعول لمشاركة ‏{‏يُخْلَقُونَ‏}‏ المبني للفاعل مع استحضار الحال الماضية، ورجح المعنى الثاني بأنه أنسب بالمقام لأن الذين أنذرهم نبينا صلى الله عليه وسلم شفاها عبدة الأصنام وأن الأحكام الآتية أوفق بها، نعم فيه تفسير الخلق بالافتعال كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 17‏]‏ لأنه الذي يصح نسبته لغيره عز وجل وكذا الخلق بمعنى التقدير كما في قوله زهير‏:‏ ولأنت تفري ما خلقت وبع *** ض القوم يخلق ثم لا يفري

والمتبادر منه إيجاد الشيء مقدراً بمقدار كما هو المراد من سابقه، وتفيره بذلك أيضاً كما فعل الزمخشري بعيد كذا قيل‏:‏ وتعقب بأنه يجوز أن يراد منه هذا المتبادر والأصنام بذواتها وصورها وأشكالها مخلوقة لله تعالى عند أهل الحق لأن أفعال العباد وما يترتب عليها وينشأ منها من الآثار مخلوقة له عز وجل عندهم كما حقق بل لو قيل بتعين هذه الإرادة على ذلك الوجه لم يبعد، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَمْلِكُونَ لاِنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً‏}‏ لبيان حالهم بعد خلقهم ووجودهم، والمراد لا يقدرون على التصرف في ضر ما ليدفعوه عن أنفسهم ولا في نفع ما حتى يجلبوه إليهم، ولما كان دفع الضر أهم أفيد أو لأعجزهم عنه، وقيل‏:‏ ‏{‏لاِنفُسِهِمْ‏}‏ ليدل على غاية عجزهم لأن من لا يقدر على ذلك في حق نفسه فلأن لا يقدر عليه في حق غيره من باب أولى‏.‏ ومن خص الأحكام في الأصنام قال‏:‏ إن هذا لبيان ما لم يدل عليه ما قبله من مراتب عجزهم وضعفهم فإن بعض المخلوقين العاجزين عن الخلق ربما يملك دفع الضر وجلب النفع في الجملة كالحيوان، وقد يقال‏:‏ التصرف في الضر والنفع بالدفع والجلب على الإطلاق ليس على الحقيقة إلا لله عز وجل كما ينبىء عنه قوله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرّا إِلاَّ مَا شَاء الله‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 188‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حياة وَلاَ نُشُوراً‏}‏ أي لا يقدرون على التصرف في شيء منها بإماتة الأحياء وإحياء الموتى في الدنيا وبعثهم في الأخرى للتصريح بعجزهم عن كل واحد مما ذكر على التفصيل والتنبيه على أن الإله يجب أن يكون قادراً على جميع ذلك، وتقديم الموت لمناسبة الضر المقدم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا ‏(‏4‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ‏}‏ القائلون كما أخرجه جمع عن قتادة هم مشركو العرب لا جميع الكفار بقرينة ادعاء إعانة بعض أهل الكتاب له صلى الله عليه وسلم وقد سمى منهم في بعض الروايات النضر بن الحرث‏.‏ وعبد الله بن أمية‏.‏ ونوفل بن خويلد، ويجوز أن يراد غلاتهم كهؤلاء ومن ضامهم، وروى عن ابن عباس ما يؤيده، وروى عن الكلبي‏.‏ ومقاتل أن القائل هو النضر والجمع لمشايعة الباقين له في ذلك، ومن خص ضمير ‏{‏اتخذوا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 3‏]‏ بمشركي العرب وجعل الموصول هنا عبارة عنهم كلهم جعل وضع الموصول موضع ضميرهم لذمّهم بما في حيز الصلة والإيذان بأ ما تفوهوا به كفر عظيم، وفي كلمة ‏{‏هذا‏}‏ حط لرتبة المشار إليه أي قالوا ما هذا إلا كذب مصروف عن وجهه ‏{‏افتراه‏}‏ يريدون أنه اهترعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينزل عليه عليه الصلاة والسلام ‏{‏وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ‏}‏ أي على افترائه واختراعه أو على الإفك ‏{‏قَوْمٌ ءاخَرُونَ‏}‏ يعنون اليهود بأن يلقوا إليه صلى الله عليه وسلم أخبار الأمم الدارجة وهو عليه الصلاة والسلام يعبر عنها بعبارته، وقيل‏:‏ هم عداس، وقيل‏:‏ عائش مولى حويطب بن عبد العزى‏.‏ ويسار مولى العلاء بن الحضرمي‏.‏ وجبر مولى عامر وكانوا كتابيين يقرؤن التوراة أسلموا وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتعهدهم فقيل ما قيل، وقال المبرد‏:‏ عنوا بقوم آخرين المؤمنين لأن آخر لا يكون إلا من جنس الأول، وفيه أن الاشتراك في الوصف غير لازم ألا ترى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فِئَةٌ تقاتل فِى سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 13‏]‏ ‏{‏فَقَدْ جَاءوا‏}‏ أي الذين كفروا كما هو الظاهر ‏{‏ظُلْماً‏}‏ منصوب بجاءوا فإن جاء وأتى يستعملان فـ يمعنى فعل فيتعديان تعديته كما قال الكسائي، واختار هذا الوجه الطبرسي وأنشد قول طرفة‏:‏ على غير ذنب جئته غير أنني *** نشدت فلم أغفل حمولة معبد

وقال الزجاج‏:‏ منصوب بنزع الخافض فهو من باب الحذف والإيصال، وجوز أبو البقاء كونه حالاً أي ظالمين، والأول أولى، والتنوين فيه للتفخيم أي جاؤا بما قالوا ظلماً هائلاً عظيماً لا يقادر قدره حيث جعلوا الحق البحت الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إفكاً مفتري من قبل البشر وهو من جهة نظمه الرائق وطرازه الفائق بحيث لو اجتمعت الإنس والجن على مباراته لعجزوا عن الإتيان بمثل آية من آياته ومن جهة اشتماله على الحكم الخفية والأحكام المستتبعة للسعادات الدينية والدنيوية والأمور الغيبية بحيث لا تناول عقول البشر ولا تحيط بفهمه القوى والقدر، وكذا التنوين في ‏{‏وَزُوراً‏}‏ أي وكذباً عظيماً لا يبلغ غايته حيث قالوا ما لا احتمال فيه للصدق أصلاً، وسمي الكذب زوراً لا زوراره أي ميله عن جهة الحق والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها لكن لا على أنهما أمران متغايران حقيقة يقع أحدهماعقيب الآخر أو يحصل بسببه بل على أن الثاني عين الأول حقيقة وإنما الترتيب بحسب التغاير الاعتباري، وقد لتحقيق ذلك المعنى فإن ما جاءه من الظلم والزور هو عين ما حكى عنهم لكنه لما كان مغايراً له في المفهوم وأظهر منه بطلاناً رتب عليه بالفاء رتيب اللازم على الملزوم تهويلاً لأمره كما قاله شيخ الإسلام، وقيل‏:‏ ضمير ‏{‏جاؤا‏}‏ عائد على قوم آخرين، والجملة من مقول الكفار وأرادوا أن أولئك المعينين جاءوا ظلماً بإعانتهم وزوراً بما أعانوا به وهو كما ترى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏5‏]‏

‏{‏وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ‏(‏5‏)‏‏}‏

‏{‏وَزُوراً وَقَالُواْ أساطير الاولين‏}‏ بعدما جعلوا الحق الذي لا محيد عنه إفكاً مختلقاً بإعانة البشر بينوا على زعمهم الفاسد كيفية الإعانة، وتقدم الكلام في أساطير وهي خبر مبتدأ محذوف أي هذه أو هو أو هي أساطير، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏اكتتبها‏}‏ خبر ثان، وقيل‏:‏ حال بتقدير قد‏.‏ وتعقب بأن عامل الحال إذا كان معنوياً لا يجوز حذفه كما في «المغني»، وفيه أنه غير مسلم كما في شرحه، وجوز أن يكون ‏{‏أساطير‏}‏ مبتدأ وجملة ‏{‏اكتتبها‏}‏ الخبر ومرادهم كتبها لنفسه والإسناد مجازي كما في بني الأمير المدين، والمراد أمر بكتابتها أو يقال حقيقة اكتبت أمر بالكتابة فقد شاعر افتعل بهذا المعنى كاحتجم وافتصد إذا أمر بالحجامة والفصد، وقيل قالوا ذلك لظنهم أنه يكتب حقيقة أو لمحض الافتراء عليه عليه الصلاة والسلام بناء على علمهم أنه لم يكن يكتب صلى الله عليه وسلم، وقيل‏:‏ مرادهم جمعها من كتب الشيء جمعه والجمهور على الأول‏.‏

وقرأ طلحة ‏{‏اكتتبها‏}‏ مبنياً للمفعول والأصل اكتتبها له كاتب فحذف اللام وأفضى الفعل إلى الضمير فصار اكتتبها إياه كتب ثم حذف الفاعل لعدم تعلق الغرض العلمي بخصوصه فبنى الفعل للمفعول وأسند للضمير فانقلب مرفوعاً مستتراً بعد أن كان منصوباً بارزاً، وهذا مبني على جواز إقامة المفعول الغير الصريح مقام الفاعل مع وجود الصريح وهو هنا ضمير الأساطير وهو الذي ارتضاه الرضى‏.‏ وغيره، وجمهور البصريين على عدم الجواز وتعين المفعول الصريح للإقامة فيقال عندهم‏:‏ اكتتبته، وعليه قول الفرزدق‏:‏ ومنا الذي اختير الرجال سماحة *** وجوداً إذا هب الرياح الزعازع

بنصب الرجال وعلى الأول كان حق التركيب اختيره الرجال بالرفع فإن الأصل اختاره من الرجال مختار وظاهر أنه إذا عمل فيه ما تقدم يصير إلى ما ذكر ‏{‏فَهِىَ وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ‏}‏ أي تلقى تلك الأساطير عليه بعد اكتتابها ليحفظها من أفواه من يمليها عليه من ذلك المكتتب لكونه أمياً لا يقدر على أن يتلقاها منه بالقراءة فالإملاء الإلقاء للحفظ بعد الكتابة استعارة لا الإلقاء للكتابة كما هو المعروف حتى يقال‏:‏ إن الظاهر العكس بأن يقال‏:‏ أمليت عليه فهو يكتتبها أو المعنى أراد اكتتابها أو طلب كتابتها فامليت عليه أي عليه نفسه أو على كاتبه فالإملاء حينئذ باق على ظاهره‏.‏ وقرأ طلحة‏.‏ وعيسى تتلى بالتاء بدل الميم ‏{‏بُكْرَةً وَأَصِيلاً‏}‏ أي دائماً أو قبل انتشار الناس وحين يأتون إلى مساكنهم وعنوا بذلك أنها تملي عليه خفية لئلا يقف الناس على حقيقة الحال، وهذة جراءة عظيمة منهم قاتلهم الله تعالى أنى يؤفكون، وعن الحسن أن ‏{‏اكتتبها‏}‏ الخ من قول الله عز وجل يكذبهم به، وإنما يستقيم أن لو افتتحت الهمزة في ‏{‏اكتتبها‏}‏ للاستفهام الذي هو معنى الإنكار، ووجه أن يكون نحو قول حضرمي بن عامر وقد خرج يتحدث في مجلس قوم وهو في حلتين له فقال جزء بن سنان بن مؤلة‏:‏ والله إن حضرمياً لجذل بموت أخيه إن ورثه‏:‏ أفرح أن أرزأ الكرم وأن *** أورث زوداً شصايصا نبلا

من أبيات، وحق للحسان على ما في «الكشاف» أن يقف على الأولين‏.‏